الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
331
نفحات الولاية
موقعة الجمل أن عائشة أخذت كفا من حصى ، فحصبت به أصحاب الإمام عليه السلام وصاحت بأعلى صوتها : شاهت الوجوه كما صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يوم بدر . فقال لها قائل : ومارميت إذ رميت ولكن الشيطان رمى . « 1 » فقد كان حصب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله للمشركين أحد العوامل الاعجازية التي أدت إلى انهيار عسكر الكفر ، بينما انتهت معركة الجمل بهزيمة منكرة مني بها أعداء الإمام عليه السلام . أمّا الصفة الثالثة والرابعة والخامسة فهي تعالج أوضاعهم الأخلاقية حيث قال عليه السلام : « أخلاقكم دقاق ، وعهدكم شقاق ، ودينكم نفاق » دقاق من مادة دقت بمعنى الدنيئة هنا ، يصف بها أهل البصرة من عبدة الأهواء الذين نكثوا البيعة والتحقوا بصفوف الأعداء ، أمّا نفاقهم فهو ناشئ من كون ظاهرهم هو الإسلام والدفاع عن زوج النبي صلى الله عليه وآله وباطنهم القيام ضد الحكومة الإسلامية ووصي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والتخندق في صفوف أهل الشام . ثم أشار عليه السلام إلى صفتهم السادسة « وماؤكم زعاق » . ومن المعلوم إن مثل هذا الماء وإضافة إلى ملوحته ومرارته فإنه ينطوي على كل عناصر التلوث بسبب مجاورته لشاطئ البحر ؛ فهو مضر بالنسبة لسلامة البدن ، وهو يا لتالي مضر بروح الإنسان وفكره بفعل الرابطة القائمة بين الروح والبدن . وعليه فان ذم ماؤهم هو في الواقع نوع ذم لأخلاقهم . ثم تطرق إلى صفتهم السابعة فقال : « والمقيم بين أظهركم « 2 » مرتهن بذنبه والشاخص « 3 » عنكم متدارك برحمة من ربّه » . والعبارة إشارة إلى ما ورد في عدّة روايات ، ومنها الحديث المعروف الذي نقله المرحوم الكليني في الكافي عن أبي الحسن الإمام الهادي عليه السلام حين قال لأحد أصحابه ويدعى جعفر : مالي أراك تغشى عبد الرحمن بن يعقوب ( وكان منحرفاً في عقائده ) ، ألا تعلم أنّه ينسب اللَّه إلى صفات المخلوقين ثم نصحه عليه السلام بتركهم ومجالسة أعدائهم أو العكس ، فرد جعفر على الإمام عليه السلام
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 252 - 266 إلّاأنّه كتب حنين خطأ بدلًا من بدر . ( 2 ) « بين أظهركم » بمعنى بينكم ، وأظهر جمع ظهر بمعنى الخلف وهو خلاف الباطن ، ويستعمل هذا اللفظ للشخص الذي يعيش بين مجموعة تسانده وتحميه ، وأحيانا يستعمل هذا اللفظ للعيش في مجموعة يؤيدونه ويحمونه أو لا يحمونه . « لسان العرب ، منقول عن الكامل في التاريخ أولا يحمونه . « لسان العرب ، منقول عن الكامل في التاريخ لابن الأثير » . ( 3 ) « شاخص » من مادة « شخص » بمعنى المرتفع واطلقت على قامة الإنسان حين تلوح من بعيد ، ومن هنا اطلق على الشخص المسافر اسم الشاخص ، وقد وردت بهذا المعنى في العبارة المذكورة .